محمد بن جرير الطبري
65
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عليه وسلم : " يا ويح قريش لقد أهلكتهم الحرب ، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا ، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام داخرين " ثم ذكر نحو حديث معمر بزيادات فيه كثيرة ، على حديث معمر تركت ذكرها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : " والهدي معكوفا أن يبلغ محله " قال : كان الهدي بذي طوى ، والحديبية خارجة من الحرم ، نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غورت قريش عليه الماء . وقوله : وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ يقول تعالى ذكره : ولولا رجال من أهل الإيمان ونساء منهم أيها المؤمنون بالله أن تطئوهم بخيلكم ورجلكم لم تعلموهم بمكة ، وقد حبسهم المشركون بها عنكم ، فلا يستطيعون من أجل ذلك الخروج إليكم فتقتلوهم . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ حتى بلغ بِغَيْرِ عِلْمٍ هذا حين رد محمد وأصحابه أن يدخلوا مكة ، فكان بها رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ، فكره الله أن يؤذوا أو يوطئوا بغير علم ، فتصيبكم منهم معرة بغير علم . واختلف أهل التأويل في المعرة التي عناها الله في هذا الموضع ، فقال بعضهم : عني بها الإثم . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ قال : إثم بغير علم . وقال آخرون : عني بها غرم الدية . ذكر من قال ذلك : حدثن ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ فتخرجوا ديته ، فأما إثم فلم يحسبه عليهم . والمعرة : هي المفعلة من العر ، وهو الجرب وإنما المعنى : فتصيبكم من قبلهم معرة تعرون بها ، يلزمكم من أجلها كفارة قتل الخطأ ، وذلك عتق رقبة مؤمنة ، من أطاق ذلك ، ومن لم يطق فصيام شهرين وإنما اخترت هذا القول دون القول الذي قاله ابن إسحاق ، لأن الله إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها ، ولم يكن قاتله علم إيمانه الكفارة دون الدية ، فقال : فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لم يوجب على قاتله خطأ ديته ، فلذلك قلنا : عني بالمعرة في هذا الموضع الكفارة ، و أَنْ من قوله : أَنْ تَطَؤُهُمْ في موضع رفع ردا على الرجال ، لأن معنى الكلام : ولولا أن تطئوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم ، فتصيبكم منهم معرة بغير علم لأذن الله لكم أيها المؤمنون في دخول مكة ، ولكنه حال بينكم وبين ذلك لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ يقول : ليدخل الله في الإسلام من أهل مكة من يشاء قبل أن تدخلوها ، وحذف جواب لولا استغناء بدلالة الكلام عليه . وقوله : لَوْ تَزَيَّلُوا يقول : لو تميز الذين في مشركي مكة من الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات الذين لم تعلموهم منهم ، ففارقوهم وخرجوا من بين أظهرهم لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً يقول : لقتلنا من بقي فيها بالسيف ، أو لأهلكناهم ببعض ما يؤلمهم من عذابنا العاجل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لَوْ تَزَيَّلُوا الآية ، إن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار . حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمع الضحاك يقول في قوله لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ يعني أهل مكة كان فيهم مؤمنون مستضعفون : يقول الله لولا أولئك المستضعفون لو قد تزيلوا ، لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : لَوْ تَزَيَّلُوا لو تفرقوا ، فتفرق المؤمن من الكافر ، لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما . القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ . . . كَلِمَةَ التَّقْوى . . . عَلِيماً